بسم الله الرحمن الرحيم .. الرد على تجار اليأس وسماسرة الهزيمة
من يقف وراء هذه السردية؟
في الأيام الأخيرة، وبتزامنٍ لافت لا يحتمل المصادفة، خرج علينا طابورٌ من الأصوات، بعضها صهيوني مكشوف العورة، وبعضها يتقنّع بقناع "الواقعية" و"الخوف على الأمة"، ليبيعونا بضاعة واحدة مغلّفة بأغلفة مختلفة: أن المقاومة عبث، وأن الصمود وهم، وأن كل ما عليكم فعله هو أن تستسلموا بهدوء وتقبلوا ما يُملى عليكم.
صهيونية سورية نصرانية تُسمي نفسها إعلامية (بتمويل إماراتي إسرائيلي) تنشر فيديو بعنوان "وهم الانتصار"، وباسم يوسف يخرج بالخطاب نفسه تقريبًا في التوقيت ذاته، وآخرون تابعون للسلطة الفتحاوية، وأيضًا لجان الأنظمة العربية المُطبِّعة، يروّجون للسردية نفسها بحذافيرها. أحدهم قالها صراحة: "أصلًا فكرة انتصار إيران غير واردة أساسًا".
الفكرة الجوهرية واحدة عند جميع من روّجوا لهذه السردية: إيران لا يمكن أن تنتصر، والمقاومة في غزة لم تُنجز شيئًا سوى الخراب، وأنتم، أيها العرب والمسلمون، تخدعون أنفسكم حين تحتفون بأي ضربة تُوجع المعتدي.
هؤلاء، سواء كانوا يعلمون (ومنهم من يعلم ويعمل لخدمة المشروع الصهيوني) أو لا يعلمون، يؤدّون الوظيفة ذاتها التي يؤديها سلاح الجو الصهيوصليبي وهي تحطيم الإرادة. لكن هذا السلاح أخبث، لأنه يستهدف الروح لا البناء والجسد.
فلنفضح هذه السردية إذًا.
الكذبة الأولى: "أمريكا لا تُهزم"
هذه ليست حجة، هذا جهل بالتاريخ، أو تجاهل متعمَّد له.
أمريكا لم تحسم حربًا واحدة حسمًا حقيقيًا منذ الحرب العالمية الثانية. ليس هذا رأيًا، هذا سجل موثّق يعترف به المؤرخون الأمريكيون أنفسهم:
فيتنام (١٩٥٥–١٩٧٥): عشرون سنة، أكثر من ٥٨ ألف جندي أمريكي في التراب، ملايين الأطنان من القنابل، أكثر مما أُلقي في الحرب العالمية الثانية كلها، ثم ماذا؟ انسحاب مُذلّ، وصور المروحيات تهرب من سطح السفارة صارت أيقونة عالمية للخزي. فيتنام فقدت ما بين مليون وثلاثة ملايين إنسان، وأمريكا فقدت ٥٨ ألفًا فقط، والفيتناميون هم الذين انتصروا.
فبحسب منطق هؤلاء "الواقعيين": فيتنام كانت يجب أن تستسلم من اليوم الأول، لأن الأرقام ضدها. لكن التاريخ لا يكتبه من يعدّ الجثث فقط، يكتبه من يبقى واقفًا في النهاية.
أفغانستان (٢٠٠١–٢٠٢١): عشرون سنة أخرى. أنفقت أمريكا أكثر من ٢.٢ تريليون دولار، بمعدل ٣٠٠ مليون دولار في اليوم الواحد. أكبر ترسانة عسكرية في التاريخ البشري ضد رجال في الجبال بأسلحة خفيفة. والنتيجة؟ في فبراير ٢٠٢٠ وقّعت أمريكا اتفاق الدوحة مع الحركة على سحب جميع قواتها، ثم اكتمل الانسحاب الأمريكي في ٣٠ أغسطس ٢٠٢١، ونفس الحركة التي دخلت أمريكا لتدمّرها عادت إلى القصر الرئاسي.
هل يجرؤ أحد من هؤلاء المروّجين أن يقول لشعب أفغانستان: "كان يجب ألا تقاوموا"؟
جنوب لبنان (١٩٧٨–٢٠٠٠): اثنان وعشرون سنة من الاحتلال الإسرائيلي، ثم في ٢٤ مايو ٢٠٠٠ انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان انسحابًا أحاديًا لا بموجب اتفاق سلام، بل لأن كلفة البقاء صارت لا تُحتمل. جنود كانوا يعودون في توابيت، هذا لم يحدث من فراغ حدث لأن هناك مقاومة رفضت أن تركع.
العراق (٢٠٠٣–٢٠١١): نعم، سقطت بغداد، ونعم، أعدموا صدام حسين. لكن ماذا بعد؟ مستنقع استمر ثماني سنوات، أكثر من أربعة آلاف جندي أمريكي قُتلوا، وتريليونات أُنفقت، ثم خرجت أمريكا. والمقاومة العراقية هي التي جعلت هذا الاحتلال مكلفًا حتى صار الانسحاب هو الخيار الوحيد.
فحين يقول لك أحدهم "أمريكا لا تُقهر"، فهو إما يكذب عليك عامدًا، أو يجهل تاريخًا مُتاحًا لمن يُريد أن يقرأ.
الكذبة الثانية: "المقاومة لا تُنتج إلا الدمار"
هذه هي الحيلة الأخبث في السردية كلها: تحميل الضحية مسؤولية الجريمة.
حين يُدمَّر حيٌّ في غزة، هل المسؤول هو من دافع عن بيته، أم من ألقى عليه قنبلة تزن طنًا؟ هذا المنطق المقلوب، "لولا المقاومة ما حصل الدمار"، هو بالضبط ما تقوله كل قوة استعمارية في التاريخ. فرنسا قالته للجزائريين، بريطانيا قالته للهنود، جنوب أفريقيا قالته للسود. هل كانوا على حق؟
الجزائر قدّمت مليونًا ونصف مليون شهيد في وجه الاستعمار الفرنسي. بحسب منطق "الواقعيين"، كان يجب على الجزائريين أن يقبلوا الاستعمار ويعيشوا "بسلام" تحت حذاء فرنسا. لكن الجزائر اليوم دولة حرة ومستقلة، وفرنسا هي التي خرجت مطأطئة الرأس.
والسؤال الذي لا يجرؤ هؤلاء على الإجابة عنه: هل البديل عن المقاومة أفضل؟
غزة قبل السابع من أكتوبر، هل كانت تعيش في رخاء؟ سبعة عشر سنة من الحصار الخانق، والعالم لا يتذكر وجودها إلا حين تطلق صاروخًا. الضفة الغربية التي لا تُقاوم عسكريًا، هل هي بخير؟ الاستيطان يبتلعها كل يوم شبرًا شبرًا، والمستوطنون يحرقون ويقتلون تحت حماية الجيش، والكنيست يُقرّ قوانين إعدام الأسرى الفلسطينيين، ولا أحد يرفع صوته.
التاريخ لا يُسجّل حالة واحدة حُفظت فيها حقوق شعب محتل لأنه اختار الإستسلام. ولا حالة واحدة.
الكذبة الثالثة: "أنتم تحتفلون بأوهام"
يقولون: "إسقاط طائرة واحدة من ١٥ ألف طلعة جوية ده ولا حاجة."
هذا كلام من لا يفهم طبيعة الحروب غير المتماثلة، أو يفهمها ويُدلّس عليك.
في حروب الاستنزاف، لا تُقاس النتيجة بمن أسقط طائرات أكثر. تُقاس بسؤال واحد: هل نجح المعتدي في تحقيق هدفه السياسي النهائي؟
غزة: سنتين ونصف والمقاومة لا تزال قائمة.
إسرائيل دخلت غزة في أكتوبر ٢٠٢٣ بهدف مُعلَن: "القضاء على 7ماس." نحن الآن في أبريل ٢٠٢٦، بعد سنتين ونصف. ماذا تحقق؟
أكثر من ٧١ ألف شهيد فلسطيني. تدمير كامل للقطاع. ومع كل هذا الدمار الوحشي، لم تستطيع إسرائيل حتى تحرير أسرها وأُجبرت على توقيع اتفاق وقف إطلاق نار في يناير ٢٠٢٥ مع نفس الحركة التي أقسمت أنها ستقضي عليها. ثم خرقت الاتفاق وتخرقة كل يوم، ومع ذلك 7ماس لا تزال موجودة بفضل الله، لا تزال تتفاوض كطرف سياسي. فأين "القضاء على 7ماس"؟
وما الثمن الذي دفعته إسرائيل؟ بحسب تقرير بنك إسرائيل المركزي لعام ٢٠٢٥: خسائر تراكمية بلغت ١٧٧ مليار شيكل، تكلفة عسكرية تجاوزت ٦٣ مليار دولار، اقتصاد أصغر بنسبة ٧٪ مما كان سيكون عليه بدون الحرب، دين عام يتصاعد للسنة الرابعة على التوالي. والأهم هو سقوط وهم الجيش الذي لا يُقهر. فقد قُهِر أمام أعيننا بالفيديو. فهل هذا إنتصار للعدو؟
إيران: ٣٧ يومًا والحرب تكذب السردية أمام أعيننا
نحن اليوم في اليوم السابع والثلاثين من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران. أمريكا دخلت بعملية أسمتها "الغضب الملحمي" وإسرائيل أسمتها "زئير الأسد"، واستهدفتا طهران ومدنًا إيرانية بضربات واسعة استغلت فيها معلومات استخباراتية عن اجتماع للقيادة الإيرانية. ماذا حدث بعد ٣٧ يومًا؟
إيران لا تزال تُقاتل وتُطلق الصواريخ، والسؤال الذي يفضح الكذبة طرحه محللون إسرائيليون أنفسهم: "إذا كان كل شيء في إيران قد دُمّر، فمن أين تأتي الصواريخ؟" وصفوا رواية "تدمير كل شيء" بأنها حرب نفسية لطمأنة الجبهة الداخلية الإسرائيلية لا انعكاس للواقع الميداني.
مقاتلة إف-١٥ إي سترايك إيغل أمريكية أُسقطت فوق الأراضي الإيرانية، بجانب إصابة مروحيتين وتحطم مقاتلة أخرى فوق مضيق هرمز. وهذا أول إسقاط من هذا النوع في حرب ضد أمريكا منذ عقود.
إيران أغلقت مضيق هرمز، وأمريكا تتوسل فتحه وتضغط لوقف إطلاق نار مقابل ذلك. يعني أن أمريكا هي التي تبحث عن مخرج، لا إيران.
ترامب نفسه قال في ١ أبريل ٢٠٢٦ إن الحرب "ستنتهي في أسبوعين أو ثلاثة" واعترف بأن "تغيير النظام لم يكن من أهدافي"، بعد أن كان واضحًا أن إسقاط النظام الإيراني هو الهدف الحقيقي.
ولم تكتفِ إيران بالدفاع عن أرضها فحسب، بل نقلت المعركة إلى عقر دار الأمريكيين أنفسهم في المنطقة. ففي عملية "الوعد الصادق ٤"، أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه شنّ "العملية الهجومية الأكثر كثافة" ضد القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، مستهدفًا ٢٧ قاعدة أمريكية في ثماني دول بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة في وقت واحد.
قاعدة العديد الجوية في قطر، وهي أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط وتضم نحو ١٠ آلاف جندي ومقرًا متقدمًا للقيادة المركزية الأمريكية، تعرضت للقصف والتدمير المُحقق. مقر قيادة الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين أُصيب بضربات مباشرة، قاعدة الظفرة الجوية في الإمارات ضُربت، قاعدة السالم الجوية في الكويت استُهدفت، ودُمّرت وحدات للطائرات المسيّرة الأمريكية فيها. قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن قُصفت. قواعد أمريكية في شمال العراق وأربيل تعرّضت لضربات، حتى المنطقة الشرقية والرياض في السعودية لم تسلما من الاستهداف. بل وصل الأمر إلى تدمير طائرات أمريكية على الأرض في قواعد بالأردن والسعودية قبل أن تُقلع.
فليتوقف هنا من يقول لك "إسقاط طائرة واحدة ده ولا حاجة" وليسأل نفسه: ماذا تسمّي دولة تضرب ٢٧ قاعدة أمريكية في ثماني دول في وقت واحد؟ ماذا تسمّي تدمير رادارات حساسة تكلّف أمريكا ودول الخليج مليارات الدولارات؟ ماذا تسمّي دولة ترفض أوروبا الاشتراك في حرب ضدها علنيًا؟ وبعض دول أوروبا ترفض مرور الطائرات الحربية الأمريكية المشاركة في مجهودات الحرب على إيران.
هذا ليس "وهم انتصار"، هذا دولة تُقاتل أكبر قوة عسكرية في التاريخ وتُجبرها على أن ترتعب على قواعدها المنتشرة في ثماني دول. الأمريكيون أنفسهم لم يتخيلوا أن تصل صواريخ إيران إلى هذه القواعد بهذه الكثافة، وعلي لاريجاني قالها صراحة حين سُئل عن استهداف دول الخليج: "نحن نستهدف أرضًا أمريكية"، يعني أن هذه القواعد بالنسبة لإيران ليست أراضي خليجية بل أهداف أمريكية مشروعة.
فمن يقول لك اليوم "إيران ما عندهاش فرصة للنصر"، ماذا يقول عن مقاتلة إف-١٥ المحترقة على الأرض الإيرانية؟ ماذا يقول عن مضيق هرمز المغلق الذي يرتعب منه الاقتصاد العالمي كله؟ ماذا يقول عن أمريكا التي تبحث عن وقف إطلاق نار بعد خمسة أسابيع فقط؟
كل ضربة، كل دبابة تُحرق، كل طائرة تُسقط، كل صاروخ يُطلق، هي لبنة في جدار الاستنزاف الذي ينهار عنده المحتل في النهاية. من يقول لك "ده ولا حاجة" يريدك أن تنظر إلى اللبنة وحدها وتنسى الجدار.
لم أتطرق إلى الخسائر التي تتكبدها إسرائيل يومياً في الجنوب اللبناني، وهي خسائر بشرية بجانب المعدات. ولم أتحدث أيضًا عن عدم دخول اليمن بشكل فعلي حتى الآن حتى ان ضُرب صاروخ هنا وهناك، و هناك مفاجآت أكثر ستظهر إذا تمادت أمريكا في هذه الحرب او صعدت أكثر.
الكذبة الرابعة: "المواطن الأمريكي قيمته أعلى"
هذه أقذر فقرة في السردية كلها، لأنها تُطبّع في وعيك فكرة أن دمك أرخص.
صاحبة الفيديو (عويس الصهوينية) تقول، والباقون يرددون بصياغات مختلفة، إن "محور المقاومة" يُراهن على أن المواطن الأمريكي سيضغط على حكومته لوقف الحرب بسبب أسعار الطاقة والتضخم، وهذا، بزعمها، يعني أننا "نعتبر المواطن الأمريكي أغلى منّا."
هذا قلبٌ فاضح للحقائق. من يعتبر المواطن الأمريكي أغلى من المسلم هو من يريدنا أن نستسلم حفاظًا على راحة أمريكا. أما المقاومة، فهي بالعكس تمامًا: هي التي تقول إن دم الفلسطيني والإيراني واللبناني ليس رخيصًا، وإن ثمن قتله لن يكون مجانيًا.
الفيتناميون راهنوا على أن المجتمع الأمريكي لن يتحمّل الحرب، وكانوا على حق. الأفغان راهنوا على نفس الرهان، وكانوا على حق. هل هذا يعني أن الفيتنامي كان يعتبر الأمريكي أغلى منه؟ أم أنه كان يفهم نقاط ضعف عدوّه ويستغلّها؟
وها هو مضيق هرمز اليوم يُثبت الفكرة أمام أعينكم: أمريكا تبحث عن وقف إطلاق نار لأن إغلاق المضيق يخنق الاقتصاد العالمي. هل هذا "وهم"؟ أم أنه سلاح حقيقي يؤلم المعتدي ويجبره على التراجع؟
الكذبة الخامسة: "كل ده بسبب إيران مش بسبب إسرائيل"
أحدهم يقول بالحرف: كل الخراب في المنطقة ليس بسبب إسرائيل، بل بسبب إيران التي "حاولت تتحدى أمريكا من غير ما تستعد ليها."
أي أن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين منذ ١٩٤٨، قبل الثورة الإيرانية بأكثر من ثلاثين سنة، ليس هو المشكلة. وأن تدمير العراق عام ٢٠٠٣ بأكاذيب أسلحة الدمار الشامل ليس هو المشكلة. المشكلة هي أن أحدًا تجرّأ وقال "لا."
والأعجب: ترامب نفسه اعترف بأن هدفه هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي وأن أمريكا استغلت الاحتجاجات الداخلية الإيرانية ذريعة للحرب، بينما المفاوضات كانت، بحسب تحليل المركز العربي للأبحاث، "مسرحية أدارها ترامب لكسب الوقت". يعني هو نفسه يقول لك: أنا المعتدي. ومع ذلك يأتي عربي ويقول لك: "المشكلة في إيران"!
هذا ليس تحليلًا سياسيًا، هذا خطاب تعريسي.
فضيحة القياس على الصحاف *منشور باسم يوسف*
يقولون: "شفنا الصحاف والعلوج وفي الآخر رسيت على إيه؟"
الصحاف كان يُمثّل نظامًا جيشه النظامي تفكّك في أيام في حرب تقليدية مكشوفة. لكن المفارقة أن إيران اليوم، بعد ٣٧ يومًا من الحرب، لم تسقط كما سقط العراق في ٢١ يومًا. إيران لا تزال تُطلق الصواريخ، لا تزال تُسقط طائرات، لا تزال تُغلق المضيق. فأين وجه الشبه بالصحاف؟
في العراق ٢٠٠٣ سقطت بغداد في ٢١ يومًا، وانهارت القدرة الصاروخية مع الجيش، وكان التأثير على العدو محدودًا، وبعد شهر كانت أمريكا تحتل البلد بالكامل. أما في إيران ٢٠٢٦ فبعد ٣٧ يومًا طهران لم تسقط وإيران لا تزال تقاتل، ولا تزال تُطلق الصواريخ وتُسقط طائرات، وأغلقت مضيق هرمز فأشعلت أزمة طاقة عالمية، وأمريكا هي التي تبحث عن وقف إطلاق نار. فأين وجه الشبه؟
في إيران لا تزال الخدمات مستمرة، ولا يزال هناك تدفق للسلع الأساسية. لا تزال هناك قوة أرضية مليونية مسلحة لم تدخل الحرب أصلًا بعد، ما بين القوات المسلحة الإيرانية والبسيج والحرس الثوري وآخرون.
ناهيك عن المقاومة الشعبية، وإن فُتحت التعبئة العامة، لا توجد هناك أدنى مقارنة بين العراق وإيران.
شرعياً: لماذا اليأس حرام والمقاومة فريضة
اليأس ليس واقعية، اليأس كفر
﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: ٨٧)
ليس "المتشائمون" ولا "الحزانى"، بل الكافرون. هذا نصٌّ قرآني صريح لا يحتمل التأويل.
المقاومة فريضة وليست خيارًا
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: ٣٩)
"لَقدير"، تأكيد أن النصر ممكن مهما بدا الميزان المادي مختلًا. فمن أنت لتقول إن النصر "غير وارد أصلًا"؟ أتعلم من الغيب ما لا يعلمه الله؟
الثبات بعد الهزيمة، لا الانكسار
هذه الآية نزلت بعد غزوة أحد، بعد هزيمة حقيقية، بعد مقتل سبعين صحابيًا، بعد أن جُرح النبيّ صل الله عليه وسلم: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٩) نزلت والمسلمون ينزفون، وليس بعد نصر.
﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ (النساء: ١٠٤)
"يألمون كما تألمون"، العدوّ ليس فولاذًا. لكن الفارق أنكم "ترجون من الله ما لا يرجون" وهو الثواب والنصر والتأييد من الله، وهذا بالضبط ما يريدون انتزاعه منا كمسلمين وان نركن فقط للحسابات الدنيوية الضيقة.
الفئة القليلة
﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٤٩)
بدر: ٣١٣ أمام ألف. عين جالوت: المماليك يوقفون المغول. حطين: صلاح الدين يحرر القدس بعد تسعين سنة من الاحتلال الصليبي.
الرجاء ليس غرور في غزوة أحد الرماة نزلوا من مواقعهم طمعًا في الغنائم فانقلبت المعركة. غزوة حنين ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا﴾.
الإسلام لا يدعو إلى تفاؤل أعمى، يدعو إلى رجاء مقرون بعمل وصبر وتخطيط.
كلمة أخيرة
بعضهم يدّعي الواقعية، وأنه يقول ذلك ليس لدعوة الناس للاستسلام. لكن لنكن واقعيين، كما تقولون. حين تروجون أن المقاومة وهم وإن العدو لا يُقهر وإن كل احتفال بضربة ناجحة ضد العدو هي مجرد "دغدغة للنفس"، ماذا تبقى غير الاستسلام؟
القرآن حذر من هذا الصنف: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ۗ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (آل عمران: ١٦٨)
الموت آتٍ سواء قاتلت أو لم تقاتلوا، فالفرق هو أن تموت واقفًا أو تموت راكعًا.
وها هي غزة أمام أعينكم بعد سنتين ونصف، والمقاومة باقية بإذن الله، رغم تواطؤ وتآمر الأنظمة العربية مع إسرائيل للتخلص منها.
وها هي إيران: بعد ٣٧ يومًا من مجابهة أمريكيا وإسرائيلي بدعم أوروبي عالمي، لا تزال تُقاتل وأمريكا هي التي تبحث عن مخرج.
فمن أراد أن يخدم عدوّه، فليواصل بيع اليأس. ومن أراد أن يخدم أمته، فليقل الحق ولو كان مُرًّا، ولا يخلط بين نقد الأخطاء وهدم الإرادة هم لا يريدون أن نكون واقعيين؛ هم يريدون هدم فكرة المقاومة. ليست في إيران فقط، ولا لبنان، ولا فلسطين حتى؛ كامل المقاومة، كل المقاومة.
أن نصبح مطية لأعدائنا في كل دولنا، على أرضنا. حتى وإن لم يكن هناك احتلال عسكري، فيكون هناك احتلال نفسي، احتلال ثقافي، احتلال اقتصادي، احتلال سياسي، بلا أدنى مقاومة.
فالفكرة الأساسية هي القضاء على المقاومة، أيا كان شكلها أو تأثيرها..
لكن: ﴿وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: ٦)