أصعب لحظة مرت على الفريق سعد الشاذلي لما فتح التلفزيون يوم ١٩ فبراير سنة ١٩٧٤ وكان الرئيس السادات بيكرم كل قادة حرب أكتوبر في مجلس الشعب وهو الوحيد اللي مكنش موجود.. رغم إنه كان رئيس أركان القوات المسلحة وقت الحرب وهو اللي حط خطة العبور كاملة وأشرف على تنفيذها.
الفريق الشاذلي
مر بأيام صعبة كتير.. سنين عايش لاجىء في الجزائر وأول ما رجع مصر اتسجن وعانى من التجاهل أكتر من ٢٠ سنة واتمحى دوره في حرب أكتوبر.. لكن قال إن دي كانت أصعب وأقسى لحظات حياته.لما شاف القادة بيتكرموا إلا هو مرّ قدّامه شريط حياته.
اتولد في قرية بمحافظة الغربية.. أسرته كانت ميسورة الحال.. ووالده من ملاك الأراضى.. واتسمى سعد على اسم الزعيم سعد زغلول.. وناس كتير متعرفش إن الفريق الشاذلي اسمه سعد بس مش سعد الدين.
من صغره كان بيحب حكايات والده عن جده الشاذلي.. اللي كان ظابط في الجيش وشارك في الثورة العرابية وحارب في التل الكبير ضد الإنجليز.. وعشان كدا لما دخل كلية الزراعة مقدرش يكمل غير سنة واحدة وبعدين حوّل للكلية الحربية وعمره ١٧ سنة وكان أصغر طالب في دفعته.
اتخرج سعد الشاذلي من سلاح المشاه برتبة ملازم.. وبعدين انضم للحرس الملكي لأنه كان متفوق وظابط كفء.
ولما قامت حرب ٤٨ كان من الأبطال اللي راحوا يدافعوا عن أهلنا.. واتطوع من نفسه عشان يشارك ك من غير تكليف عسكري.
وهناك عاش أيام صعبة ونجا من الموت أكتر من مرة لحد ما رجع مصر من تاني… ولما قامت ثورة ٢٣ يوليو كان من الظباط المؤيدين ليها.
وفي سنة ٥٤ كلفه الرئيس عبدالناصر بأول وأهم مهمة خطيرة في حياته وهي تشكيل سلاح المظلات في الجيش المصري.. وكان أول قائد فرقة مظلات في تاريخ مصر.. وقاد الكتيبة ٧٥ مظلات في مواجهة العدوان الثلاثي على مصر.
ولما حصلت نكسة ٦٧ كان في أرض المعركة بيقود وحدة من القوات الخاصة فى سينا، معروفة باسم مجموعة الشاذلي، وكان آخر القادة المنسحبين والقائد الوحيد اللي قدر يرجع بأكتر من ٨٠٪ من قواته ومعداته..
وعملية انسحابه من سينا بتعتبر من أعظم عمليات الانسحاب في التاريخ العسكري.
وعشان بطولته اتعين قائد للقوات الخاصة، اللي بتضم الصاعقة والمظلات، وكانت أول وآخر مرة فى تاريخ الجيش المصري تتوحد فيها قيادة قوات الصاعقة والمظلات.
وبعد ما انتهت مهمته في قيادة القوات الخاصة بقى قائد منطقة البحر الأحمر العسكرية.. وهناك عمل بطولات منها منع احتلال جزيرة شدوان.
وفجأة مات الرئيس عبد الناصر ومسك الرئيس السادات الحكم.. وبعد فترة عمل حركة تصحيح واعتقل مجموعة كبيرة من القيادات كان منهم الفريق محمد فوزي وزير الدفاع.. واتعين الفريق محمد صادق قائد للجيش والفريق سعد الشاذلي رئيس للأركان..
ومن هنا ابتدت الأسطورة الحقيقية لواحد من أعظم الجنرالات.
من اللحظة الأولى ابتدى يحط خطة الحرب وأشرف عليها تفصيلة تفصيلة.. إزاي القوات تعبر قناة السويس.. وإزاي تدمّر خط بارليف.. وإزاي أول قوات هتعدي من غير خسائر
وقدر الفريق الشاذلي والمجموعة اللي معاه يحطوا خطة عبقرية للحرب.. وحل الشاذلي 132 مشكلة كانت عقبة قدام عملية العبور والحرب بشكل عام.
وكمان عمل حاجة اسمها التوجيه ٤١.. ودي كتيبات عسكرية كتبها الشاذلي وكان بيحدّد فيها لكل جندي وضابط في القوات المسلحة هيعمل إيه بالظبط.. من أول هيربط رباط البيادة إزاي لحد لو اتأسر هيتصرّف إزاي.. وبيأكد المحللين العسكريين إن التوجيه ده كان مفتاح النصر.
باختصار الفريق الشاذلي كان مهندس حرب أكتوبر بكل تفاصيلها.. وبعد ما القوات عبرت ونفّذت خطته بنجاح كان أول قائد عسكري يروح جبهة القتال بعد العبور يوم ٨ أكتوبر ٧٣.
وفي وسط الحرب ابتدت الخلافات بين الرئيس السادات والفريق الشاذلي..
الخلاف الأول حصل لما طلبت سوريا من مصر إنها تزود الضغط على قوات العدو على جبهة قناة السويس عشان تخفف الضغط على جبهة الجولان.. فطلب الرئيس السادات من وزير الدفاع المشير أحمد إسماعيل تطوير الهجوم شرقًا.
الشاذلي عارض الفكرة تمامًا.. وقال إن أي تحرّك بعيد عن مظلة الدفاع الجوي معناه إننا بنقدّم قواتنا هدية لطيران العدو.. وده كان نفس موقف اللواء سعد مأمون قائد الجيش الثاني الميداني واللواء عبدالمنعم واصل قائد الجيش الثالث الميداني.. لكن الرئيس السادات صمّم على تطوير الهجوم.
ومع تطوير الهجوم من غير حماية جوية.. اتعرّضت قواتنا لضربات قوية واضطرت ترجع لمواقعها بعد ما خسرنا 250 دبابة في ساعات معدودة.
وبعدها حصلت أزمة الثغرة.. وابتدا الخلاف التاني بين الرئيس السادات والفريق الشاذلي حوالين طريقة التعامل معاها.
الشاذلي قدم خطة لمواجهة الثغرة بتقوم على سحب قوات والمناورة بيها غرب القناة.. لكن الرئيس السادات والمشير أحمد إسماعيل كانوا رافضين لأي خطة بتقوم على الانسحاب بسبب السمعة السيئة لانسحاب القوات من سيناء.
واتطوّرت الأمور من سيّئ لأسوأ بين السادات والشاذلي.. وزاد الخلاف بينهم بسبب الوشايات.. خصوصًا إن الشاذلي كان على خصومة قديمة مع المشير أحمد إسماعيل.
والرئيس استبعد الفريق الشاذلي بشكل غير رسمي من منصب رئيس الأركان وكلف المشير الجمسي بالمنصب.
وفي 12 ديسمبر ٧٣ أنهى الرئيس السادات خدمة الفريق الشاذلي وعينه سفير بوزارة الخارجية..
الفريق الشاذلي رفض يبقى سفير.. وقال: لو الرئيس عايز يعاقبني يعاقبني جوا بلدي.. ولو دي مكافأة من حقي أرفضها..
وفضل على موقفه لحد ما الرئيس السادات قابله وأقنعه بالمنصب بعد ما قاله:
أنا محتاج راجل عنده خبرة عسكرية كبيرة يبقى موجود في لندن لإننا هنجيب أسلحة متطورة ومتقدمة.. ووظفيتك الأساسية هي تسليح الجيش المصري وحكاية السفير دي حاجة ثانوية..
وبيقول الشاذلي: اعتبرت ما قاله السادات - بعد أن أفاض في الثناء على دوري والإشادة بي - وما حدّده بشأن مهمتي في لندن ترضية كافية وامتدادًا لمسؤوليتي في خدمة القوات المسلحة.. فقبلت المنصب من أجل تقوية الجيش بالسلاح الحديث.. لكن اتضح فيما بعد أن كل ما قاله كان خديعة.
وفي سنة ١٩٧٨ انفجرت قنبلة لما الرئيس السادات كتب مذكراته "البحث عن الذات"، وفيها اتهم الفريق الشاذلي بالتخاذل، ووصفه بالفريق المنهار.
والشاذلي مسكتش وكتب هو كمان مذكراته "حرب أكتوبر"، واتهم السادات باتخاذ قرارات خاطئة بعكس جميع النصائح من العسكريين، وقال إن تدخله المستمر في الخطط العسكرية السبب في الثغرة.
وفي الكتاب قدم بلاغ للنائب العام اتهم فيه الرئيس السادات بإساءة استعمال سلطات.
وزدات الخلافات أكتر وأكتر مع اتفاقية كامب ديفيد وهاجم الشاذلي الرئيس السادات علنا وبشكل كبير واستقال من منصبه كسفير لمصر في البرتغال وسافر الجزائر كلاجىء سياسي.
ومن هناك استمر هجومه على الرئيس.. ولما حصل حادث المنصة أعلن مباركته للعملية ووصف اللي عملوها بإنهم ظباط مصريين شجعان!
وفي سنة ٨٣ اتحاكم الفريق الشاذلي غيابي بتهمة إفشاء أسرار عسكرية بسبب كتاب "حرب أكتوبر"، واتحكم عليه بالسجن ٣ سنين مع الأشغال الشاقة، واتحطت أملاكه تحت الحراسة.
وفجأة يوم ١٥ مارس سنة ٩٢ رجع على مصر بعد ١٤ سنة في الجزائر.. وأول ما وصل المطار اتقبض عليه واترحّل على السجن الحربي عشان يقضي مدة السجن.
وفي السجن رفض يكتب خطاب التماس للرئيس يطلب فيه العفو وفضل محبوس لحد أكتوبر ٩٣ لما خرج بعفو عام.
وبعدها رجع قريته وعاش منعزل.. واتسحبت منه كل النياشين والأوسمة.. واتشالت صورته من بانوراما حرب أكتوبر.. واتوقف معاشه المستحق عن نجمة الشرف العسكرية، وعاش العشرين سنة الأخيرة من حياته على إيرادات قطعة أرض ورثها عن والده.
وفي مذكراته قال الفريق الشاذلي: "أنا واثق من أن مصر سوف تكرمنى فى يوم من الأيام بعد أن تعرف حقائق وأسرار حرب أكتوبر".
وبتفوت الأيام وبيحصل التكريم، وبعد ٢٥ يناير رجعت نجمة سيناء لأسرة الفريق الشاذلي، وصورته رجعت من تاني لبانوراما حرب أكتوبر.
وفي ٢٠١٢، وبتوصية من وزارة الدفاع، رئاسة الجمهورية منحت قلادة النيل العظمى لاسم الفريق الشاذلي.
وواحد من أهم المحاور الجديدة اتسمى باسمه.. ومجموعة من دفعات الكليات الحربية اتخرّجت باسم دفعة الفريق سعد الشاذلي..
رحم الله جنرال مصر..
الذي قال عنه موشيه ديان "قائد عظيم".. ووصفه شارون بأنه "من أذكى العسكريين".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق